ابن الجوزي
51
صيد الخاطر
أو أن يصنف كتابا في العلم ، فإن تصنيف العالم ولده المخلد « 1 » ، وأن يكون عاملا بالخير ، عالما فيه ، فينقل من فعله ما يقتدي الغير به ، فذلك الذي لم يمت : قد مات قوم وهم في الناس أحياء 15 - من حيل الشيطان رأيت من أعظم حيل الشيطان ومكره ، أن يخبط أرباب الأموال بالآمال ، والتشاغل باللذات القاطعة عن الآخرة وأعمالها ، فإذا شغلهم بالمال تحريضا على جمعه ، وحثا على تحصيله ، أمرهم بحراسته بخلا به ، فذلك من متين حيله ، وقوي مكره . ثم دفن في هذا الأمر من دقائق الحيل الخفية ، أن خوّف من جمعه المؤمنين ، فنفّر طالب الآخرة منه ، وبادر التائب بأن يخرج ما في يده ، ولا يزال الشيطان يحرضه على الزهد ، ويأمره بالترك ، ويخوفه من طرقات الكسب ، اظهارا لنصحه وحفظ دينه . وفي خفايا ذلك عجائب من مكره ، وربما تكلم الشيطان على لسان بعض المشايخ الذين يقتدي بهم التائب ، فيقول له : اخرج من مالك وادخل في زمرة الزهاد ومتى كان لك غداء أو عشاء ، فلست من أهل الزهد ، ولا تنال مراتب العزم ، وربما كرر عليه الأحاديث البعيدة عن الصحة والواردة على سبب ولمعنى ، فإذا أخرج ما في يده ، وتعطل عن مكاسبه ، عاد يعلق طمعه بصلة الاخوان ، أو يحسن عنده صحبة السلطان ، لأنه لا يقوى على طريق الزهد والترك الا أياما ، ثم يعود الطبع فيتقاضى مطلوباته ، فيقع بأقبح مما فر منه ، ويبذل أول السلع في التحصيل دينه وعرضه ، ويصير متمندلا به « 2 » ، ويقف في مقام اليد السفلى . ولو أنه نظر في سير الرجال ونبلائهم وتأمل صحاح الأحاديث عن رؤسائهم ، لعلم أن الخليل عليه الصلاة والسلام ، كان كثير المال ، حتى ضاقت بلدته بمواشيه ، وكذلك لوط عليه الصلاة والسلام وكثير من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والجم الغفير من الصحابة ، وانما صبروا عند العدم ، ولم يمتنعوا من كسب ما يصلحهم ، ولا من تناول المباح عند الوجود . وكان أبو بكر رضي اللّه عنه يخرج للتجارة والرسول صلّى اللّه عليه وسلم حي . وكان أكثرهم يخرج فاضل ما يأخذ من بيت المال ، ويسلم من ذل الحاجة إلى الاخوان . وقد كان ابن عمر : لا يرد شيئا ، ولا يسأل .
--> ( 1 ) أي كتبه هي أولاده . ( 2 ) أي اتخذ الدين والعرض ممسحة ( منديلا ) يقال : تندل بالمنديل ونمندل .